ابراهيم بن عمر البقاعي

243

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وسرها ولبابها ، وإن أريد : يا سيد ، فهو خلاصة من سادهم ، وإن أريد : يا رجل ، فهو خلاصة البشر ، وإن أريد : يا محمد ، فهو خالصة الرجال الذين هم لباب البشر الذين هم سر الأحياء الذين هم عين الموجودات فهو خلاصة الخلاصة وخيار الخيار وعين القلب ، وكأن من قال معناه محمد نظر إلى الاتحاد في عدد اسمه صلّى اللّه عليه وسلّم بالجمل بالنظر إلى اليمين في المشددة وعدد ( قلب ) وعدد اسمي الحرفين ، ولا يخفى أن الهمزة في اسم الياء ألف ثانية ، فمبلغ عدده اثنا عشر . ولما تقدم في الملائكة إثبات رسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتهديد قومه على النفرة عنه ، وأن مرسله تعالى بصير بعباده ، عالم بما يصلحهم ومن يصلح منهم للرسالة وغيرها ، وكان مدار مادة « قرأ » - كما مضى في سورة الحجر - الجمع مع الفرق ، وكان ذلك أعلى مقامات السائرين إلى اللّه وهو وظيفة القلب ، عبر في القسم بقوله : وَالْقُرْآنِ ووصفه بصفة القلب العارف فقال : الْحَكِيمِ * أي الجامع من الدلالة على العلم المزين بالعمل والإرشاد إلى العمل المحكم بالعلم . ولما كان قد ثبت في سورة الملائكة أنه سبحانه الملك الأعلى ، لما ثبت له من تمام القدرة وشمول العلم ، وكان من أجلّ ثمرات الملك إرسال الرسل إلى الرعايا بأوامر الملك وردهم عما هم عليه مما دعتهم إليه النفوس ، وقادتهم إليه الشهوات والحظوظ ، إلى ما يفتحه لهم من الكرم ، ويبصرهم به من الحكم ، وكانت الرسالة أحد الأصول الثلاثة التي تنقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان ، وكانت هي المنظور إليها أولا لأنها السبب في الأصلين الآخرين ، وكانوا قد ردوا رسالته نفورا واستكبارا ، قال مقدما لها تقديم السبب على مسببه على وجه التأكيد البليغ مع ضمير الخطاب الذي لا يحتمل لبسا : إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * أي الذين حكمت عقولهم على دواعي نفوسهم ، فصاروا - بما وهبهم اللّه من القوة النورانية - كالملائكة الذين قدم في السورة الماضية أنهم رسله وفي عدادهم بما تخلقوا به من أوامره ونواهيه وجميع ما يرتضيه . ولما كان الأنبياء عليهم السّلام من نوره صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنه أولهم خلقا وآخرهم بعثا ، فكانوا في الحقيقة إنما هم ممهدون لشرعه ، وكان سبحانه إنما أرسله ليتمم مكارم الأخلاق ، وكان قد جعل سبحانه من المكارم أن لا يكلم الناس إلا بما تسع عقولهم ، وكانت عدة المرسلين كما في حديث أبي أمامة الباهلي عن أبي ذر رضي اللّه عنهما عند أحمد في المسند ثلاثمائة وخمسة عشر « 1 » ، وفيه أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون

--> ( 1 ) أخرجه أحمد 5 / 265 وفيه معان بن رفاعة لين الحديث كما قال ابن معين ، وفيه الألهاني علي بن يزيد ضعيف جدا .